فخر الدين الرازي

271

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وقال : حصلت الخصومة بين الحوادث العقلية الإلهية وبين النوازع النفسانية الجسدانية ، والترجيح لجانب العقل لأنه يدعو إلى فضل اللَّه ورحمته والنفس تدعو إلى جمع الدنيا وشهواتها وفضل اللَّه ورحمته خير لكم مما تجمعون من الدنيا لأن الآخرة خير وأبقى ، وما كان كذلك فهو أولى بالطلب والتحصيل . [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 59 إلى 60 ] قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ( 59 ) وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ ( 60 ) وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن الناس ذكروا في تعلق هذه الآية بما قبلها وجوها ، ولا أستحسن وأحدا منها . والذي يخطر بالبال والعلم عند اللَّه تعالى وجهان : الأول : أن المقصود من هذا الكلام ذكر طريق ثالث في إثبات النبوة . وتقريره أنه عليه الصلاة والسلام قال للقوم : « إنكم تحكمون بحل بعض الأشياء وحرمة بعضها فهذا الحكم تقولونه على سبيل الافتراء على اللَّه تعالى ، أو تعلمون أنه حكم حكم اللَّه به » والأول طريق باطل بالاتفاق ، فلم يبق إلا الثاني ، ثم من المعلوم أنه تعالى ما خاطبكم به من غير واسطة ، ولما بطل هذا ، ثبت أن هذه الأحكام إنما وصلت إليكم بقول رسول أرسله اللَّه إليكم ونبي بعثه اللَّه إليكم ، وحاصل الكلام أن حكمهم بحل بعض الأشياء وحرمة بعضها مع اشتراك الكل في الصفات المحسوسة والمنافع المحسوسة ، يدل على اعترافكم بصحة النبوة والرسالة وإذا / كان الأمر كذلك ، فكيف يمكنكم أن تبالغوا هذه المبالغات العظيمة في إنكار النبوة والرسالة وحمل الآية على هذا الوجه الذي ذكرته طريق حسن معقول . الطريق الثاني : في حسن تعلق هذه الآية بما قبلها هو أنه عليه الصلاة والسلام ، لما ذكر الدلائل الكثيرة على صحة نبوة نفسه وبين فساد سؤالاتهم وشبهاتهم في إنكارها ، أتبع ذلك ببيان فساد طريقتهم في شرائعهم وأحكامهم وبين أن التمييز بين هذه الأشياء بالحل والحرمة ، مع أنه لم يشهد بذلك لا عقل ولا نقل طريق باطل ومنهج فاسد ، والمقصود إبطال مذاهب القوم في أديانهم وفي أحكامهم ، وأنهم ليسوا على شيء في باب من الأبواب . المسألة الثانية : المراد بالشيء الذي جعلوه حراما ما ذكروه من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وأيضا قوله تعالى : وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ [ الأنعام : 138 ] إلى قوله : وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا [ الأنعام : 139 ] وأيضا قوله تعالى : ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ [ الأنعام : 143 ] والدليل عليه أن قوله : فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً إشارة إلى أمر تقدم منهم ، ولم يحك اللَّه تعالى عنهم إلا هذا ، فوجب توجه هذا الكلام إليه ، ثم لما حكى تعالى عنهم ذلك قال لرسوله عليه الصلاة والسلام : قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ وهذه القسمة صحيحة ، لأن هذه الأحكام إما أن تكون من اللَّه تعالى أو لم تكن من اللَّه فإن كانت من اللَّه تعالى ، فهو المراد بقوله : آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ وإن كانت ليست من اللَّه فهو المراد بقوله : أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ .